الجمهور

لا يمكن الاستغناء عنه ولا التفريط فيه إن أردنا إنجاح أي لقاء كروي لأنه هو من يبعث روحا إضافية في اللاعبين ويضفي جمالية ورونقا خاصا بالمدرجات. إنه اللاعب رقم 12 أي الجمهور، الذي يضحي بوقته وماله من أجل مؤازرة فريقه والاستمتاع بطابق كروي جميل. لكن بين الأمس واليوم حصلت تغييرات كثيرة، إن لم أقل جذرية، على عقلية بعض المشجعين وتصرفاتهم حتى بتنا نسمع عن أرقام مخيفة بعد المباريات لعدد الجرحى والمعتقلين بل وأكثر من ذلك أصحاب عاهات مستديمة بسبب الاستعمال الخاطئ لما يسمى “لفلام”. أنا هنا لا أعمم الأمر، لأنه ولله الحمد ما زال هناك مشجعون يضرب بهم المثل في الأخلاق والتواضع واحترام المنافس، أنا هنا أريد أن أتطرق للنوعية الجديدة التي غزت الملاعب الوطنية.
ما السبب وراء ذلك يا ترى؟ إنها فوضى الحواس التي تعيشها هذه النوعية عدة ساعات قبل اللقاء وتزداد أثناء 90 دقيقة الحاسمة وتنفجر بعد أن يطلق الحكم صافرة النهاية. لنبدأ من حيث شاء الله لي أن أبدأ في تحليل هذه الظاهرة، ظاهرة فوضى الحواس.

الدماغ : يتم إلغاؤه إما جزئيا أو كليا حسب مقدار ما تناوله المشجع من مخدرات وحبوب هلوسة ليحس في قرارة نفسه أنه صار سوبرمان زمانه، وهذه العملية تكون غالبا قبل المباراة.

الأذن : تسمع الصخب والضجيج دون انقطاع وتستمتع بما لذ وطاب من كلام نابي وأهازيج غير مفهومة لأنها صادرة عن أصوات تعشق النشاز.

اللسان : تختلط عليه الأدوار بين تذوق ما يلقيه صاحبه في جوفه وبين الكلام المتمثل في التشجيع على طريقة الضجيج الذي تتأذى منه الأذن.

اليدين : لا تهمدان طيلة المباراة بين تصفيق وتشجيع وتلويح بإشارات خادشة نحو جمهور الفريق المنافس.

الرجلين : لا يتم استهلاك طاقتهما كما يقع لباقي الحواس اللهم الوقوف المستمر والنط المزعزع للمدرجات التي تشكو من شقوق قد تؤدي إلى إغلاق جزء من المدرجات قصد الإصلاح. لكن يتم ادخار جهدهما لما بعد المباراة إما كرا نحو الجمهور الزائر أو فرا من رجال الشرطة.

الأنف : يتأذى كثيرا جراء رائحة العرق المنبعثة من أجساد رفاق الكفاح التشجيعي.

العينين : آه ثم آه، لأننا وصلنا للحاسة التي تعيش حالة استنفار قصوى حيث يطلب من العين اليمنى مراقبة كل ما يجري في الجهة اليمنى والعين اليسرى تتكلف بالجهة اليسرى ومطلوب من الاثنتين رصد كل شاردة وواردة داخل ميدان التباري.

لنتكتفي بهذا القدر من الفوضى التي يعيشها الجسد الواحد في وقت قليل لا يتعدى الساعتين من الزمن، لكن هل تتخيل معي عزيزي القارئ الحالة التي يكون عليها هذا المشجع قبل وخلال وبعد المباراة؟   حتى كلمة هستيريا لا تكفي لشرح ما آلت إليه الأمور وكلمة شغب تبدو مظلومة إن أردنا إلصاقها بهذه العينة من الجماهير التي يبدأ عندها سيناريو البلطجة مع محاولة ولوج باب الملعب نحو الداخل لتعيش بعد ذلك فوضى الحواس بشكل مفرط خلال المباراة وتختمها بعمليات التخريب والاعتداءات على المنافسين بين شوارع وأزقة المدينة مهما كانت النتيجة، وكل هذا يحدث في غياب كلي للإحساس بالفوضى الداخلية التي يعيشها البدن.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إن لبدنك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لدينك عليك حقا؛ فأعطِ كل ذي حق حقه”، صدق رسول الله (ص).

بقلم الأخ : نقطة_نظام

شارك مع الآخرين :
  • اطبع هذا المقال!
  • E-mail this story to a friend!
  • حوّل هذا المقال إلى ملف PDF!
  • Facebook
  • MySpace
  • Digg
  • del.icio.us
  • Wikio
  • Google Bookmarks
  • StumbleUpon
  • افحت
  • افلق
  • خبّر
  • وافر